الشيخ السبحاني
84
الحياة البرزخية في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح
والخضوع أمام الحقيقة فيقدِّم رأيه الساقط على البراهين الواضحة ، فتارة يُنكر الحياة البرزخية ، وأُخرى يردّ الصلة بين الدارين ، وثالثة يَجحد انتفاع البرزخيين بأعمال إخوانهم المؤمنين ، كلّ ذلك في قوالب شبه ضئيلة نمّقته الأهواء والتقليد الأعمى ولا يقام له في سوق الاعتبار وزن ولا في مبوّأ الحق مقيل ، « فظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر » وإليك تلكم الشبهات مع أجوبتها : الشبهة الأولى : إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلّا اللَّه ، فهي حياة مستقلّة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها . وإن بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتّصال فيما بينهم ، وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتاً ولا صفاتاً ، واللَّهُ سبحانه يقول : « وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » « 1 » . الجواب : إنّ الحياة بمعناها الحقيقي مجهولة الكنه سواء أكانت دنيوية أم برزخية ولا يعلم حقيقتها إلّا خالقها ، لكن ذلك لا يمنع في التعرّف عليها بشيء من آثارها : الإدراك والشعور في نوع الحيوان ، والتفكّر والتعقّل في نوع آخر كالإنسان ، فالحياة بلا شعور ودرك نفي لواقع الحياة . على أنّه سبحانه بيّن بعض آثار الحياة البرزخية في الآيات النازلة في الشهداء ، قال سبحانه : « بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ
--> ( 1 ) الرفاعي : التوصّل إلى حقيقة التوسل / 267 ، سورة المؤمنون : 100 .